أحمد بن علي الرازي

245

شرح بدء الأمالي

وقوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [ البقرة : 34 ] . فالمسجود أفضل من الساجد « 1 » فإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص ثبت تفضيل العوام [ 165 ] على العوام ، فعوام الملائكة خدم أهل الجنة ، فالمخدوم أولى من الخادم « 2 » ؛

--> - الإنس ومن الجن ، نعم وجميع الملائكة عموما مستويا فإنما هذه الآية تفضيل الملائكة والصالحين من الإنس والجن على سائر البرية ا . ه . الفصل ( 5 / 16 ) . ( 1 ) قال ابن حزم : وهذا أعظم حجة عليهم ؛ لأن السجود المأمور به لا يخلو من أن يكون سجود عبادة وهذا كفر ممن قاله ، ولا يجوز أن يكون الله عز وجل يأمر أحدا من خلقه بعبادة غيره . وإما أن يكون سجود تحية وكرامة وهو كذلك بلا خلاف من أحد من الناس ، فإذا هو كذلك فلا دليل أدل على فضل الملائكة على آدم من أن يكون الله تعالى بلغ الغاية في إعظامه وكرامته بأن تحييه الملائكة لأنهم لو كانوا دونه لم يكن له كرامة ولا مزية في تحيتهم له . ثم قال ابن حزم : وليس في سجود يعقوب عليه السلام ليوسف ما يوجب أن يوسف أفضل من يعقوب ا . ه . قلت : والتحية والإكرام ليس معناهما تفضيل المتحى والمكرم على المتحى والمكرم ، وكذلك المستحى من المستحى منه كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ، فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وسوى ثيابه ، فدخل فتحدث ، فلما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر : فلم تهتش له ولم تباله ، ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله ، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك ؟ فقال : « ألا أستحي من رجل تستحى منه الملائكة » : ؟ فهذا الحديث يبين أن الملائكة تستحى من عثمان ، وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يستحى لحياء الملائكة ، ومعلوم أن الملائكة أفضل من عثمان رضي الله عنه ، وكذلك معلوم أن النبي أفضل من عثمان ، بل وأبو بكر وعمر أفضل من عثمان رضي الله عنهم جميعا ، وفي الحديث أيضا اقتداء النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالملائكة وهو بيان لفضل المقتدى به للمقتدى الفصل : ( 5 / 16 ) . ( 2 ) قال ابن حزم : أما خدمة الملائكة لأهل الجنة وإقبالهم إليهم بالتحف فشئ ما علمناه قط ولا سمعناه إلا من القصاص بالخرافات والتكاذيب وإنما الحق من ذلك ما ذكره الله عز وجل في النص الّذي أوردنا وهو ولله الحمد من أقوى الحجج في فضل الملائكة على من سواهم . ويلزم هذا المحتج إذا كان إقبال الملائكة بالبشارات إلى أهل الجنة دليلا على فضل أهل الجنة عليهم أن يكون إقبال الرسل إلينا مبشرين ومنذرين بالبشارات من عند الله عز وجل ، دليلا على أننا أفضل منهم وهذا كفر مجرد ، ولكن الحقيقة هي أن الفضل إذا كان للأنبياء عليهم السلام على الناس بأنهم رسل الله إليهم ووسائط بين ربهم تعالى وبينهم ، فالفضل واجب للملائكة على الأنبياء والرسل لكونهم رسل الله تعالى إليهم ، وسائط بينهم وبين ربهم تعالى ا . ه . الفصل ( 5 / 17 ) .